أبي منصور الماتريدي
20
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ، له تأويلان : أحدهما : ذلك بأنهم آمنوا بلسانهم ثم كفروا بقلوبهم . والثاني : على حقيقة الإيمان والكفر ، وذلك أنهم لما رأوا قلة المسلمين وضعفهم في أنفسهم يوم بدر ، ثم رأوهم مع هذه القلة والضعف غلبوا على الكفار مع كثرتهم - آمنوا برسول الله ورأوا أنهم لا يغلبون أبدا ، ثم إن المسلمين لما غلبوا يوم أحد وأصابهم [ الكفار ] ، اضطربوا في إيمانهم وشكوا وكفروا ؛ وذلك بمعنى قوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ [ الحج : 11 ] فكذلك تأويل قوله : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا . وقوله : ذلِكَ إشارة إلى أن السبب الذي تولد منه نفاقهم وحلفهم . وقولهم : نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ هو أنهم آمنوا ثم كفروا . وجائز أنه لم يكن منهم حقيقة إيمان ولا كفر ، ولكنهم كانوا أقواما همتهم الدنيا وسعتها ، وكانوا يكونون مع من يكون معه الدنيا إن رأوها مع المؤمنين أظهروا من أنفسهم أنهم مؤمنون ، وإن رأوها مع الكفار أظهروا أنهم كفار دون أن يكون منهم حقيقة إيمان أو كفر ، والله المستعان . وقوله : فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ . الطبع يجوز أن يكون كناية عن ستر وظلمة في قلوبهم ؛ فلا يرون بها الحق وحججه . قال : ويجوز أن يجعل الله تعالى الكفر ظلمة في القلب لا يبصرون به الحجج والآيات . أو يجوز أن يجعل الكفر كنّا في قلبه ؛ ليضيق ؛ فلا يرى من بعد ذلك منافعه ومضاره إلا من ذلك الوجه فيكفر ، وأيهما كان فذلك معنى الآية ، يعني : أن اشتغالهم بالكفر وكسبهم إياه غطى قلوبهم وسترها عن أن يبصروا الحق وحججه ، والله أعلم . قال الفقيه - رضي الله عنه - في قوله : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ أن المنافقين لم يجيئوا بأجمعهم رسول الله ، وإنما جاءه بعضهم ، وكذلك في قوله : نَشْهَدُ أن المعنى من قوله : نَشْهَدُ في بعض التأويلات : نقسم ، والقسم ليس من فعل الأتباع والسفلة ، وإنما ذلك من فعل الأجلة والرؤساء ؛ فدل أنه إنما تعاطى هذا الفعل بعض المنافقين ، ثم ذكر الله تعالى ذلك البعض بصيغة الكل ؛ فعلم أنه ليس كل ما خرج في الظاهر مخرج العموم يتناول كل من دخل تحت ذلك الاسم ، ولكنه ينظر في معنى اللفظ وحقيقته ، فإن كان الدليل يوجب تعميمه أجري على عمومه ، وإن كان يوجب